فخر الدين الرازي
16
تفسير الرازي
أما قوله تعالى : * ( وليعلم الله الذين آمنوا ) * ففيه مسائل . المسألة الأولى : اللام في قوله : * ( وليعلم الله ) * متعلق بفعل مضمر ، اما بعده أو قبله ، أما الاضمار بعده فعلى تقدير * ( وليعلم الله الذين آمنوا ) * فعلنا هذه المداولة ، وأما الاضمار قبله فعلى تقدير * ( وتلك الأيام نداولها بين الناس لأمور ، منها ليعلم الله الذين آمنوا ، ومنها ليتخذ منكم شهداء ، ومنها ليمحص الله الذين آمنوا ، ومنها ليمحق الكافرين ، فكل ذلك كالسبب والعلة في تلك المداولة . المسألة الثانية : الواو في قوله : * ( وليعلم الله الذين آمنوا ) * نظائره كثيرة في القرآن ، قال تعالى : * ( وليكون من الموقنين ) * ( الأنعام : 75 ) وقال تعالى : * ( ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون ) * ( الأنعام : 113 ) والتقدير : وتلك الأيام نداولها بين الناس ليكون كيت وكيت وليعلم الله ، وإنما حذف المعطوف عليه للايذان بأن المصلحة في هذه المداولة ليست بواحدة ، ليسليهم عما جرى ، وليعرفهم أن تلك الواقعة وأن شأنهم فيها ، فيه من وجوه المصالح ما لو عرفوه لسرهم . المسألة الثالثة : ظاهر قوله تعالى : * ( وليعلم الله الذين آمنوا ) * مشعر بأنه تعالى إنما فعل تلك المداولة ليكتسب هذا العلم ، ومعلوم أن ذلك محال على الله تعالى ، ونظير هذه الآية في الاشكال قوله تعالى : * ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ) * ( آل عمران : 142 ) وقوله : * ( ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) * ( العنكبوت : 30 ) وقوله : * ( لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا ) * ( الكهف : 12 ) وقوله : * ( ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ) * وقوله : * ( إلا لنعلم من يتبع الرسول وقوله : * ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) * ( هود : 7 ، الملك : 2 ) وقد احتج هشام بن الحكم بظواهر هذه الآيات على أن الله تعالى لا يعلم حدوث الحوادث إلا عند وقوعها ، فقال : كل هذه الآيات دالة على أنه تعالى إنما صار عالما بحدوث هذه الأشياء عند حدوثها . أجاب المتكلمون عنه : بأن الدلائل العقلية دلت على أنه تعالى يعلم الحوادث قبل وقوعها ، فثبت أن التغيير في العلم محالا الا أن اطلاق لفظ العلم على المعلوم والقدرة على المقدور مجاز مشهور ، يقال : هذا علم فلان والمراد معلومه ، وهذه قدرة فلان والمراد مقدوره ، فكل آية يشعر ظاهرها بتجدد العلم ، فالمراد تجدد المعلوم . إذا عرفت هذا ، فنقول : في هذه الآية وجوه : أحدها : ليظهر الاخلاص من النفاق والمؤمن من الكافر . والثاني : ليعلم أولياء الله ، فأضاف إلى نفسه تفخيما . وثالثها : ليحكم بالامتياز ، فوضع العلم مكان الحكم بالامتياز ، لأن الحكم بالامتياز لا يحصل إلا بعد العلم . ورابعها : ليعلم ذلك واقعاً منهم كما كان يعلم أنه سيقع ، لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لم يوجد .